الحلبي
259
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
أقول : قال في النور : وهذا القبر الذي يرجم خارج باب شبيكة ، أي الآن ليس بقبر أبي لهب ، وإنما هو قبر رجلين لطخا الكعبة بالعذرة ، وذلك في دولة بني العباس ، فإن الناس أصبحوا وجدوا الكعبة ملطخة بالعذرة فرصدوا للفاعل فمسكوهما بعد أيام ، فصلبا في ذلك الموضع ، فصار يرجمان إلى الآن ، واللّه أعلم . فلما ظهر الخبر ناحت قريش على قتلاهم أي شهرا ، وجزّت النساء شعورهن ، وكنّ يأتين بفرس الرجل أو راحلته وتستر بالستور وينحن حولها ويخرجن إلى الأزقة ، ثم أشير عليهم أن لا تفعلوا فيبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا بكم ولا نبكي قتلانا حتى نأخذ بثأرهم ، وتواصوا على ذلك ، وكان الأسود بن زمعة بن عبد المطلب أصيب له في بدر ثلاثة ، ولداه وولد ولده ، وكان يحب أن يبكي عليهم ، وكان قد ذهب بصره أي بدعوة النبي صلى اللّه عليه وسلم عليه بذلك ، لأنه كما تقدم كان من المستهزئين بالنبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، إذا رآهم يقول : قد جاءكم ملوك الأرض ومن يغلب على ملك كسرى وقيصر ، ويكلم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بما يشق عليه ، فدعا عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالعمى ، وتقدم ذلك ؛ وتقدم سبب عماه . وفي كلام بعضهم كان صلى اللّه عليه وسلم دعا على الأسود هذا بأن يعمي اللّه تعالى بصره ويثكل ولده فاستجاب اللّه تعالى له سبق العمى إلى بصره أولا ، ثم أصيب يوم بدر بمن نعاه من ولده أي وهو زمعة وهو أحد الثلاثة الذين كان يقال لكل واحد منهم زاد الراكب كما تقدم ، وأخوه عقيل والحارث فإنهما قتلا كافرين ببدر ، فتمت إجابة اللّه تعالى لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فإذا به قد سمع صوت باكية بالليل ، فقال لغلامه انظر هل أحل النحب : أي البكاء ، هل بكت قريش على قتلاهم لعلي أبكي ، فإن جوفي قد احترق ، فلما رجع الغلام قال إنما هي امرأة تبكي على بعير لها أضلته ، فأنشد من أبيات : أتبكي أن يضل لها بعير * ويمنعها من النوم السهود فلا تبكي على بكر ولكن * على بدر تقاصرت الجدود والسهود بضم السين المهملة : عدم النوم . والبكر : الفتى من الإبل . والجدود : بضم الجيم جمع جد بفتحها ، وهو الحظ والسعد ، وبعد هذين البيتين بيت آخر وهو : ألا قد ساد بعدهم رجال * ولولا يوم بدر لم يسودوا يعرض بأبي سفيان فإنه رأس قريش . قال : وقد جاء في بعض الروايات اختلاف الصحابة فيما يفعل بالأسرى لما قال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما ترون في هؤلاء الأسرى إن اللّه قد مكنكم منهم ؟ أي وقد يخالف هذا ما سبق من قوله إن من أسر أسيرا فهو له .